ابن حزم

468

الاحكام

فيتقيأ فيألم لذلك ، ومن ملوث لثوبه بما يسقط من يده ولو تتبعنا ما في اللذات من عسر ومشقة لطال ذلك جدا ، فكيف بالاعمال المكلفة . ولكن العسر والمشقة تتفاضل ، فإنما رفع الله عز وجل عنا في بعض المواضع ما لا نطيق ، وخفف تعالى في بعضها تخفيفا أكثر من تخفيف آخر . وقد جاء في الأثر : حفت الجنة بالمكاره فبطل بهذا الحديث نصا قول من قال : إن الله تعالى لا ينسخ الأخف بالأثقل . وصح أن الله تعالى يفعل ما يشاء فينسخ الأخف بالأثقل ، والأثقل بالأخف ، والشئ بمثله ، والشئ بإسقاطه جملة ، ويزيدنا شريعة من غير أن يخفف عنا أخرى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل . فإن اعترضوا بقوله تعالى : * ( الآن خفف الله عنكم ) * فهذه حجة عليهم بينة لا محيد عنها ، لان التخفيف لا يكون إلا بعد تثقيل ، فإذا ثقل علينا تعالى أولا فما الذي يمنع من أن يثقل علينا آخرا إن شاء . وقد كنا برهة خالين من ذلك التثقيل الأول ثم ثقلنا به ، فما المانع من أن يعود علينا ثانية كما كان أولا وأن نزاد تثقيلا آخر أشد منه ، ويكفي من هذا كله وجودنا ما لا سبيل لهم إلى دفع نسخه تعالى أشياء خفافا بأشياء ثقال . فمن ذلك نسخه تعالى صيام يوم عاشوراء بصيام شهر رمضان ، ونسخ إباحة الافطار في رمضان ، وإطعام مساكين - بدل ما يفطر من أيامه - بوجوب صيامه فرضا على كل حاضر صحيح بالغ عاقل عالم بالشهر ، ولزوم الصيام فيه ، ونسخ سقوط الغسل عن المولج العامد الذاكر لطهارته بإيجاب الغسل عليه ، ونسخ تعالى إباحة الكلام للمصلي بعد أن كان حلالا بتحريمه ، وقد كان الكلام فيها فيما ناب الانسان أخف بلا شك ، ونسخ تعالى سقوط فرض الجهاد وبيعة المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء بإيجاب القتال ، وحرم الخمر بعد إحلالها وقال تعالى : * ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل الا ما حرم إسرائيل على نفسه ) * فصح أنه تعالى حرم عليهم أشياء كانت لهم حلالا وقد كان المنسوخ من كل ما ذكرنا أخف من الناسخ بالحس والمشاهدة . وقد بين الله تعالى ذلك بإخباره أن في الخمر والميسر منافع للناس ، فأبطل تعالى علينا تلك المنافع ولا يشك ذو عقل أن عدم المنفعة أثقل من وجودها . ونسخ تعالى الأذى والحبس عن